عبد الكريم الخطيب

776

التفسير القرآنى للقرآن

وجهه ، إذا هو أراد النجاة والسلامة ، وإنما هي مراد فسيح ، ومجال متسع للسعى والعمل ، ولابتغاء كثير من وجوه الخير والنفع منها ، إذا عرف المرء كيف يسوس حياته فيها ، ويقيمها على طلب الطيّب النافع منها ، على أن يكون ذلك في قصد واعتدال ، وبمعزل عن طلب التفاخر والتعالي ، فإن من شأن التعالي والتفاخر أن يجور على حياة الإنسان نفسه ، كما أن من شأن هذا أن يحمله على الجور على حقوق الناس ، ابتغاء الوصول إلى الغاية التي يبلغ فيها حدّ التعالي الذي يملؤه فخرا وتيها . . فعرض الدنيا في هذا المعرض الذي جاءت به الآية الكريمة ، ليس دعوة إلى الزهد في الدنيا ، زهدا يقيم الإنسان فيها مقام الضائع المستكين ، الذي لا يمسك في يده بشيء منها - كما فهم ذلك بعض الذين لا يعرفون حقيقة هذا الدين ، ولا يدركون مراميه البعيدة ، فانسحبوا من معركة الحياة ، وأخلوا مكانهم من ميادينها العاملة ، فكانوا أشبه بالمنافقين الذين اندسوا في جيش المجاهدين ، فلما التحم القتال ، أعطوا العدوّ ظهورهم ، وولوا مدبرين . . إن الإسلام . إذ يعرض الدنيا في هذا العرض الذي يهوّن منها ، ويخفف من موازينها ، إنما يواجه بهذا العرض النفس البشرية ، التي من طبيعتها الإقبال على الدنيا ، والتكالب على شهواتها . . وتلك حال تحتاج إلى دعوة تكسر من حدة هذا التكالب ؛ وتقيمه على صراط مستقيم . . فالناس - كل الناس - ليسوا في حاجة أبدا إلى من يدعوهم إلى الإقبال على الدنيا ، وإلى أخذ حظوظهم منها ، إذ هم مقبلون بطبعهم عليها ، مدعوون بحكم غريزتهم إلى الاندفاع في هذا الإقبال إلى ما لا نهاية له . .